جغرافية البلد الحرام ومواضع الأعلام إختيار من الله

” وربّك يخلق ما يشاء ويختار”( القصص 68)، فالله اصطفى أيّاما من الأزمان وفضّلها، واصطفى الرسل والأنبياء من البشر ، واصطفى كذلك البلد الحرام وجعل فيه الكعبة بيته الشريف والمعظّم وفضّله على جميع الأرض وذلك منذ يوم خلقها والسماوات.
النصوص المحكّمة قرآنًا وسنّة تؤكدّ اصطفاء الله لهذا المكان المحدّدة خريطته بأعلام نصبها إبراهيم عليه السلاّم بتعريف من جبريل عليه السلام . وأمر بتجديدها نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم عام الفتح. وخصائص الجغرافيا تُثبت بعضًا من معاني هذا الإصطفاء .

فمنطقة الحرم المكّي تتميّز بأنّ ” سيْل ماء الحِلّ لا يدخل الحرم ، ومياه الحرم تخرج إلى الحلّ”. وهذا ما يؤكّد – وفق ما جاء في كتاب “أعلام وحدود الحرم المكّي الشريف”- العلاقة القويّة بين مُكوّنات المظهر العام التضاريسي للمنطقة المحرّمة ومواضع الأعلام ومسارها العام الذي يتّبع خطوط تقسيم مياه الأمطار .

وارتباط مواضع أعلام الحرم المكّي المعظّم بسلسة المرتفعات الجبلية وخطوط تقسيم مياه الأمطار على الجبال والثنايا ، حقيقة وردت في قول مأثور للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بعث-وفق ما أورده الأزرقي- بأربعة من قريش لتحديد أنصاب الحرم حيث” أمرهم أن ينظروا إلى كُلِّ وادٍ يصُبُّ في الحرم ، فنصبوا عليه وأعـْلَموه فجعلوه حرَمًا، وإلى كلّ وادٍ يصّبُّ في الحِلّ فجعلوه حِلاًّ”.

و قد أكدّت الأبحاث العلمية والاستقصائية هذه الحقيقة ممّا جعلها ترتقي إلى مستوى القاعدة.فماسال نحو الحرم هو حرم ، وما سال نحو الحلّ فهو حِلٌّ ، علمًا وأنّ سيْلُ الحلّ لا يدخل الحرم ، ومياه الحرم تخرج إلى الحِلّ.

هذه الحقيقة جعلت من منطقة البلد الحرام لوحةً طبيعيّة مرسومة داخل إطار محدّد تختلف عمّا حولها . وهذا لم يكن لولا مشيئة الله سبحانه وتعالى بالحرم المكّي. فهو الذي اختار موضع بيته وجعله قبلةً للمسلمين، وهو الذي اختار مكّة مقرًّا لبيته ، وهو الذي جعل مكّة بلدًا محرّمًا واختار سيدنا إبراهيم عليه السلاّم لتحديد مواضع الأعلام.